محمود أبو رية

250

شيخ المضيرة أبو هريرة

أولياؤه ، وأن تدع الامر في مثل هذا الحديث إلى العلم وتجاربه ، وما وصلت إليه أبحاثه الدقيقة التي لا يمكن نقضها ، ولا يرد حكمها . وماذا يضر الدين إذا أثبت العلم ما يخالف حديثا من الأحاديث التي جاءت من طريق الآحاد ، وبخاصة إذا كان هذا الحديث في أمر من أمور الدنيا التي ترك النبي صلى الله عليه وآله أمرها إلى علم الناس . وهل أوجب علينا الدين أن نأخذ بكل حديث حملته كتب السنة أخذ تسليم وإذعان ! وفرض علينا أن نصدقها ، ونعتقد بها اعتقادا جازما ؟ إن الذي يجب التصديق به واعتقاده ، إنما هو الخبر ( المتواتر ) فحسب ، وليس عندنا كتاب يجب اعتقاد كل ما جاء فيه اعتقادا جازما يبعث اليقين إلى القلب ، غير القرآن الكريم ، لأنه هو الذي جاء من طريق ( التواتر ) أما الاخبار التي جاءت من طريق ( الآحاد ) فإنها لا تعطى اليقين ، وإنما تعطى الظن الذي لا يغنى من الحق شيئا - فللمسلم أن يأخذ بها ويصدقها إذا اطمأن قلبه بها ، وله أن يدعها إذا حاك في صدره شئ منها ، وهذا أمر معروف عند النظار ، ولا يعارض فيه إلا زوامل الاسفار من الحشوية الجامدين الذين لا يقام لهم وزن . وإذا نحن أخذنا حديث ( الذباب ) على إطلاقه ولم نسلط عليه أشعة النقد فإنا نجده من أحاديث ( الآحاد ) وهي التي تفيد الظن فإذا لم يسعنا ذلك في رده بعد أن أثبت العلم بطلانه ، فليسعنا ما وصفه العلماء من قواعد عامة في ذلك ، مثل : ليس كل ما صح سنده يكون متنه صحيحا ، ولا كل ما لم يصح سنده يكون متنه غير صحيح ( 1 ) . وإذا قيل إن هذا الحديث قد رواه البخاري - وهو لا يروى إلا ما كان صحيحا - فإنا نرد على ذلك بأنه قد روى في كتابه ما عده هو صحيحا عملا بظاهر الاسناد ، لا ما ثبت أنه صحيح في الواقع - ولذلك لا يلزم غيره ما اعتبره - هو لنفسه . قال الزين العراقي في شرح ألفيته : وحيث قال أهل الحديث : هذا حديث

--> ( 1 ) ارجع إلى كتابنا أضواء على السنة في طبعته الثالثة تجد هذه القواعد مبسوطة هناك .